شمس الشموس
  نور محمد رسول الله
 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الله جل جلالهُ يُعظّم حبيبهُ فكيف لا نُعظّمهُ عليه صلوات الله وسلامه

 

الحمد لله الذي خلق في البدءِ نور محمد رسول الله ومنه خلق كل ما سواه. من نوره المحمدي خلق العوالم كلها ومنحها إيّاه. فالله ليس بحاجةٍ لخلقهِ وإنما خلقَ الخليقة كلها لأجله. وما زال على الدوام يخلقُ ما لا يحصى من العوالم والممالك ويمنحها له عليه صلوات الله وسلامه. فلا حدَّ لعطائهِ ولا نهاية لكنوزِ مواهبه لمحبوبهِ الذي اصطفاه. وسوّاه على عرشِ الجمال فهو نور عرش الله وجمال حضرة الله. وقد قال الله (وفيكم رسول الله)  فيكم سرّ منه فيكم نوُر من نوره. وهذا النور ينجذب دوماً إلى مصدره ويتوق للعودة إلى منبعه.

اللهمّ صلِّ وسلّم وبارك على النور الأول الذي يُسبّح على الدوام بحمدك ويجذب أرواحنا إلى ساحة قدسك. وتنجذب كل الحقائق الفرعية إلى حقيقته الكلية الجامعة لكل أسرار البريّة. لذلك تنجذب أرواح المؤمنين إلى حبيب الله الأزليّ انجذاب الأنوار المتفرقّة إلى محيط النور الأصلي.

وقد خلقه الله من نور ذاته وألبسه أسماءه وصفاته. وأرسله إلى خلقهِ ليكون لهم دليلاً ودالاً على الله. فمن رأى حبيبهُ فكأنما رآه (من رآني فقد رأى الحق) فهو مرآة تجليات الله التي تعكس جمال وجلال الله.

وقالّ هذا خليفتي الحقيقي. هذا نائبي وممثّلي في خلقي يقوم بكل شيء نيابةً عني فمن أحبه فقد أحبني. ومن عظّمهُ فقد عظّمني. ومن أطاعه فقد أطاعني. ومن عصاه فقد عصاني( من يطع الرسول فقد أطاع الله). ومن اتبعه حق الإتباع وسار على خطاه المحمدية فقد سلك الطريق الموصل إلى حضرتي القدسية.

ومن صلّى عليه صليتُ عليه ولا يكتمل إيمان أحدكم حتى يكون هذا الحبيب أحب إليه من ماله ومن نفسه التي بين جنبيه. وقد قرن الله اسمه باسمه وكتب على عرشه ( لا إله إلا الله محمد رسول الله) ورفع ذكرهُ وحباهُ بكنوز عطاياه فلا يُذكر الله إلا وذُكِرَ معه محبوبه الذي ارتضاه. وما من نبي بُعثَ بالنبوة إلا وأخذ عليه العهد لينصرنّه هو الذي صلى إماما بالأنبياء ليلة أسرى به فكل أنبياء الله يستمدون أنوارهم من هذه الشمس المشرقة الخالدة.محمد رسول الله.  

فكيف بعد هذا كله وما ذُكِرَ ليس إلا نذرٌ يسيرٌ عن رفعة مقامه وقدره ولا يعدو قطرةً من محيطات مجده وعزّه. كيف بعد هذا كله يعترض بعض الجهلة على تعظيمنا وتوقيرنا لسيدنا ومولانا رسول الله إمام الثقلين مفخر العرب والعجم سيد الأولين والآخرين الذي عظمّهُ ربه وشرّفه وكرّمه وأنزل على قلبه القرآن وجعله سيد الأكوان. كيف ينكرون علينا إجلالنا لأكرم خلق الله عند الله وأجلّهم مقاماً وأرفعهم قدراً عند الله. ينكرون علينا وقوفنا احتراما وتعظيما له كلما ذكره اسمه الشريف "محمد" صلى الله عليه وسلم فكيف لا نُجِلُّ ونحترم ونعظّم ذلك الحبيب الأعظم والخليل الأكرم السراج الوّهاج صاحب المعراج الذي ما زالت الملائكة في السموات العلا منذ ليلة المعراج تحيّيه وتسلّم عليه في حفلٍ استعراضي سماوي. جيوش سماوية من الملائكة لا أول لها ولا منتهى تأتي وتمضي وهي تصلّي وتسلّم وتحيي ذلك الحبيب الذي يُعطى كل لحظة مثليّ ما أعطي من المراتب ومقامات القرب العلية ليلة المعراج الأولى. (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ) وفعل المضارع يفيد الدوام. على الدوام هنالك ترقي للحبيب في معراجه لأن الله جل وعلا ليس له منتهى ومقامات القرب منه ليس لها حد أو نهاية. كيف ينكر علينا هؤلاء الجهلة تعظيمنا لذلك السلطان صفيّ الرحمن الذي هو على الدوام في الحضرة الإلهية يكلّم ربه ويكلّمُه ربه. وهذه الحضرة الإلهية لواحد فقط لا يدخلها سواه. (أما سائر الأنبياء عليهم السلام والملائكة فهم في الحضرة السماوية وليس الإلهية) كيف يستكثرون علينا محبة هذا الحبيب الذي اتخذه الله حبيباً منذ القِدم وجعله سيد ولد آدم وأسبغ عليه النِّعَم وخصّه بالمكارم وآتاه جوامع الكلم ورفع أمته المحمدية على سائر الأمم.

 هذا الحبيب صلوات الله وسلامه عليه الذي لا وصول إلى محبة الله إلا بمحبته واتباعه  (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ) ولا سبيل للدخول على الله إلا من بابه كما جاء في الحديث القدسي : " وعزتي وجلالي لو استفتحوا عليَّ كل باب ما فتحت لهم حتى يأتوا خلفك يا محمد" .

كيف لا نجلُّ ونكرّم ونمجّد صاحب المقام المحمود والحوض المورود واللواء المعقود الذي آدم ومن دونه تحت لوائه  صلى الله عليه وعلى آله صلاة تزيد من علوّ شأنه ورفعة مقامه .

ولماذا يعترضون على مجالس الصلاة على حبيب الله الذي صلى عليه الله وملائكته وأمر المؤمنين بالصلاة والسلام عليه (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) . فالله جل جلاله يعظّم حبيبهُ ويصلي عليه على الدوام صلاة سرمدية فمن أنتم حتى تمنعوا الصلاة عليه؟ ما هي صفتكم أيها الجهلة حتى تعترضوا على أمر الله. إنما هم بذلك يحاربون الله. فالله تعالى أمر المؤمنين بالصلاة عليه ولم يحدد لهم عدداً أو مكاناً أو زماناً فالصلاة على سيد الأولين والآخرين مستحبّة ومرغوبة ومطلوبة في كل وقت وحين وبلا حدٍّ أو عدد وكلما أكثرتَ من الصلاة عليه كلما ازددت قرباً منه ومحبةً فيه. ومحبته صلوات الله وسلامه عليه شرطٌ من شروط الإيمان الذي لا يتم إلا بها. (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده ووالده والناس أجمعين). (ألا لا إيمان لمن لا محبة له) وكيف ينكرون علينا فرحنا وابتهاجنا وسرورنا واحتفالنا بمولد الحبيب الذي احتفت الملائكة بمولده في السموات العلا ولأجله قد تزيّنت الجنان كلها وقد قال الله تعالى (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) فضل الله الإسلام ورحمته محمد صلى الله عليه وسلم (وما أرسلناك إلاّ رحمةً للعالمين) أمرٌ من الله تعالى أن تفرح برحمته المهداة وحبيبه الذي لم يتخذ حبيباً سواه فبمن يكون فرحنا إن لم يكن برسول الله سعد الله. سعد الخلق . عروس مملكة الوجود والسبب الأعظم لكل موجود. وما الذي يدخل البهجة على قلوبنا إلا ذكرُ الحبيب المحبوب الذي بذكره والصلاة عليه تستنير القلوب وتغفر الذنوب وتجلى الكروب. وإذا كان جبل أحد قد اضطرب فرحاً واهتزَّ وجداً وطرباً تحت قدميه صلوات الله وسلامه عليه فرحاً به وحباً له فكيف لا نفرح نحن ونحتفي بمولده ونعتزّ  بأن جعلنا الله من أمته صلى الله عليه صلاةً تقربنا إليه.

حريٌّ بنا طاعة لأمر الله أن نفرح بمولده وأن نعلن على الملأ هذا الفرح والسرور بمولد نور النور وبدر البدور مصباح الصدور مصدر كل سرور ومنبع كل نور .

حريٌّ بنا أن نزيّن بيوتنا ومساجدنا وشوارعنا ومدننا فرحاً بمولد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وشرفّ وكرّم ومجّد من هو زينة الدنيا وبهجتها وكنز الخليفة ودرّتها.

وأن تزّين مجالسنا بالصلاة والسلام على من هو نور الأبصار وضياؤها وطبّ القلوب ودواؤها صلى الله عليه صلاةً لا انتهاء لها صلاة تتوالى على القلوب أنوارها.

حريٌّ بنا يا أمة محمد خير خلق الله عليه أسنى صلوات الله أن يكون مولدهُ لنا عيداً وسروراً تزداد به قلوبنا نوراً فنجتمع فيه على موائد محبته المحمدية لنغذّي أرواحنا العطشى لفيوضات أنواره القدسية. فتذوق قلوبنا من كؤوس محبته شراباً صافياً وتنعم أرواحنا في رياض الصلاة عليه أوقاتاً طيبة لأن من ذاق من كأس محبته هنا هو الذي يُسقى غداً شربة هنيئة من كفه الشريفة. من ورد على مجالس الصلاة عليه التي تهيّج في القلب محبته هو الذي يردُ غداً على حوضه. فهذه الكؤوس الصافية من شراب المحبة هي لأهل الصفا المتسابقين إلى الصلاة عليه الدائمين بين يديه الذين يعرفهم حبيبهم بكثرة الصلاة والسلام عليه.

أما أهل الجفا الذين لم تذق قلوبهم من كأس محبته لو رشفةٌ واحدة الذين لا ذوق عندهم لهذه المعاني السامية فهؤلاء قد تيبّست قلوبهم في صحراء البعد والجفا فأصبحوا كالخشب المسنّدة (كأنهم خشبٌ مسنّدة) لأن القلوب إن لم تكن تسري فيها أنهار المحبة تجف وتيبس وتصبح كالخشب المسنّدة.

وهؤلاء المحرومين من ذوق المحبة ليس لهم شغلٌ إلا الإنكار على أهل المحبة والاعتراض على مجالس الخير والنور والرحمة مجالس الذكر التي قال عنها الحبيب بأنها رياض الجنة ولو أنهم ذاقوا رشفة من طيب هذا الشراب لهاموا مع من هام في حب سيد الأحباب الذي جماله المحمدي يسلب العقول والألباب . صلى الله عليه وعلى الآل والأصحاب صلاة تدوم بدوام ملك الملك الوّهاب. صلاةً تقرّبنا إلى ذلك الجناب وتفتح لنا الباب وترفع عن قلوبنا الحجاب حتى تشاهد نور ذلك المحبوب الذي حبه حياة الأرواح وقوت القلوب.

الفقيرة إلى الله  "أم مريم"   


 
  2164206 visitors