شمس الشموس
  17.04.2013
 

العظمة

سلطان الأولياء مولانا الشيخ ناظم الحقاني

17 أبريل 2013 – 7 جمادى الآخرة 1434

أدب ياهو! هذا هو المطلوب. لم يعد عند الناس أدب. وبالتحديد عند الشباب. لم يعد هناك من يعلم الأدب. حتى كبار السن أيضاً، نسوا الأدب وفقدوا الاحترام .. مرحبا! دستور يا رجال الله! .. مدد يا سلطان الأولياء! .. مدد يا صاحب الميدان، شاه مردان!  .. دستور! عشقك الكبير وحماسك الملتهب مثل المحيط والبحر العميق. من سُقي شربة منه اخضرت له الدنيا ونال نعيم الآخرة.

أهلاً وسهلاً بكم، في مجلس شاه مردان .. السلام عليكم. لنقدم لكم تحية السلام؛ شعار المؤمنين .. البهائم لا تسلم، فهي لا تتكلم. ولكن الله سبحانه وتعالى منح الإنسان نعمة الكلام. وجعله خليفة في الأرض .. أنعمه بنعمة الكلام. السلام عليكم، يا حاضرون على مائدة شاه مردان الوافر العطاء، الذين يتابعون أخباره ويدرسون بطولاته. ويطلبون قبساً من نوره. ومن أخذ نصيباً من نوره لا يحتاج نوراً من غيره.

الإنسان بلا نور، مثل قطعة الفحم حالكة السواد. والشيء الوحيد الجيد فيه، أن النار تشتعل فيه. والفحم أصله من الخشب. والخزائن والجوارير أيضاً من الخشب. ولكن الخشب الذي تحول إلى فحم، هو الأجود للحرق. في حين أن الأخشاب الأخرى مناسبة لاستخدامات أخرى.

يعني هذا، أن هناك نوعان من البشر. دعونا نستمع إلى شاه مردان .. يا إخوتي، ياران (أحباب) شاه مردان، ادخلوا مجلس السلاطين الروحية .. مرحبا! .. دعونا نقول، السلام عليكم يا إخوتي أحباب شاه مردان، سلطان ميدان الصادقين! كم هو ممتع الجلوس في صحبته ونيل نصيب من بطولاته العظيمة و آثاره الحميدة وصفاته الحسنة .. دخل الميدان شاه مردان، ما شاء الله! أحضروه إلى مجلسنا! .. أدخلوه هنا! .. تعالوا لنستمع إلى ما سيقوله لنا؛ إلى ما أُمر بإبلاغه! .. عند ذكر صاحب مدينة العلم، سيد الخلق أجمعين وفخر الكائنات، حبيب رب العالمين، صلى الله عليه وسلم .. أحب أن أقف تعظيماً واحتراماً. أود أن أفعل ذلك في كل مرة، ولكن من ضعفي...

في مجلسه، يعلمنا شاه مردان طرق الخير .. ينتظرنا، بعد أداء صلاة الفجر في ساحة التدريب. إن استطعت فاجلس في مكان ما إلى شروق الشمس، ولو كان في أحد المقاهي، أو في مزار أو تكية أو كنت راكباً في سيارة .. تجهز! .. لا تذهب إلى النوم، وتأمل عظمة ربك ذي الجلال! .. تعلم منه عظمة ربك العلي الأعلى وجلالته. قولوا، بسم الله الرحمن الرحيم .. والشكر لربنا الرؤوف الرحيم، الذي سمح لنا بذكر  اسمه تعالى. وإنه لشرف ممنوح لأمة سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم.

بسم الله الرحمن الرحيم، منحت لبعض الأنبياء كفضيلة ومن ثم رُفعت. أنزلت البسملة على النبي نوح عليه السلام فنجي. نطق به النبي إبراهيم عليه السلام فأطفئ النار التي أوقدها النمرود لإحراقه. ونطق به النبي سليمان عليه السلام، فاستقر أمامه عرش بلقيس؛ ملكة سبأ. أجيز لهم استخدامها لمرة واحدة، في حالات الضرورة. والبسملة أنزلت على أمة رسولنا، سلطان الأنبياء، حبيب الله سبحانه وتعالى، قائدنا العظيم، محمد المصطفى، صلى الله عليه وسلم، ولم يُرفع بعد ذلك. ولنا الشرف أن نكون من أمته.

قولوا بسم الله الرحمن الرحيم، أيها الجاهلون! حشد النمرود قومه جميعاً ليشهدوا حرق النبي إبراهيم عليه السلام. لم يترك شجرة واحدة على الجبال .. "سأحرقه مهما كلف الأمر"، هكذا قال. وفقاً لإحدى الروايات، أن النار التي أشعلها النمرود في نينوى؛ مكان إقامته، من عظمتها، كانت ترى في دمشق. أشعل ناراً بمثل تلك العظمة .. لماذا؟ لحرق النبي إبراهيم عليه السلام. حرق النبي إبراهيم عليه السلام لا يحتاج إلا إلى عود ثقاب واحد، إن أذن الله بذلك. عود ثقاب واحد يكفي لحرق إنسان إلى أن يتحول إلى رماد. ولكن وفقاً لعظمة الرسالة التي كلف بها إبراهيم عليه السلام، ووفقاً للشخصية الفذة الكاريزماتية، التي كان يتمتع بها سيدنا إبراهيم عليه السلام، وما ألبس به من ثوب العز والبهاء، قرر النمرود أن يحرقه بنار هائلة .. "يمكن حرقه بعود ثقاب واحد، ولكن أمره لن ينتهي بعود ثقاب واحد" ..

كان بهذه العظمة. وفقاً للعظمة التي رآها في النبي إبراهيم عليه السلام، أعطى النمرود أمره. كل الأشجار التي كانت على الجبال، أمر بقطعها. وعمل جبلاً ضخماً من الحطب. وكانت النار بحجم الجبل. وكان يرى نور لهيبها من بعيد .. من دمشق. لأجل من كل هذا؟ لأجل رجل يمكن أن يحرق بعود ثقاب. ولكن النمرود لم يكن مقصده أن يحرق ذلك الرجل المبارك فقط. بل كان مقصده أن يحرق معه دين الله الذي بشر به والإيمان الحقيقي الذي أحضره. ولأجل أن ينفس من غضبه. وذلك لأن إبراهيم عليه السلام حطم الأصنام. قال النمرود، سأحرقه في النار. " قَالُواْ ٱبْنُواْ لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي ٱلْجَحِيمِ "، (الصافات:97). نعم، عود ثقاب واحد يكفي لحرق إنسان. ولكنه لم يشعل عود ثقاب واحد، بل أشعل ناراً بحجم الجبل .. لماذا؟ لأن النبي إبراهيم عليه السلام قد لبّس بمظهر العز والهيبة.

الإنسان ليس أكبر بكثير من حجم الإصبع. عود ثقاب واحد كافٍ لحرقه، ولكن هدف النمرود لم يكن فقط حرق النبي إبراهيم عليه السلام جسمانياً، بل كان مقصده القضاء على رسالته، عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى التسليم. في الحقيقة، كان السبب هو الدعوة القوية للإيمان بتوحيد الله سبحانه وتعالى. فقد قام بتدمير الأصنام التي كانوا يعبدونها، وبذلك أبطل الإدعاء بألوهيتها.

أراد النمرود أن ينتقم وقال، "سأحرقه".  على حسب بعض الروايات، أنهم جمعوا الأخشاب لمدة ستة أشهر، ثم تم إشعال النار فيها. وكان يرى لهيبها من الشام. في مسافة سفر أربعين يوم. حقيقة، الإنسان بحجم الإصبع فقط. والثور يكبره بعشرة أضعافه تقريباً. والفيل يكون وزنه بوزن مائة رجل. ولكن هذه الحيوانات لا تملك قيمة الإنسان.

الهدف الرئيسي لم يكن حرق النبي إبراهيم عليه السلام. فلو كان الهدف ذلك، لكان كافياً عود كبريت واحد. ما أراده النمرود تدمير دين التوحيد، الذي جاء به سيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. ولكن بأمر من مالك السموات والأراضين رب العرش العظيم، والحق المطلق، أُحبط خطته وأبطل ادعاءه بالقوة. والنمرود فعل ما فعل لحرق الأمر الإلهي، الذي نزل على سيدنا إبراهيم عليه السلام.

فما الذي يحدد عظمة الشخص أو دناءته؟ .. بعض الناس مثل الذهب والبعض الآخر كالروث. بسبب الذهب الذي أحضره إبراهيم عليه السلام فقدْ فقدَ أرجاسهم وأصنامهم سحرها ورونقها. وهذا هو الباعث لغضبه وانتقامه من سيدنا إبراهيم عليه السلام. ولسان حاله يقول: "لماذا أوصل أرجاسنا إلى هذا الحال؟ .. سأحرقه .. ولكن في الحقيقة لم يجد أحداً ليحرقه. لأن الذهب لا يمكن حرقه كما يحرق الخشب.

يا شاه مردان، يا سيدنا الموقر، سيدنا علي، رضي الله عنه وكرم الله وجهه! .. أيها السلطان المعظم، شاه مردان! .. ما شاء الله! إيه .. إيه .. لماذا يحتشد الناس خلفه؟ إنهم يحاولون جني بعض المنافع. فالجرائد، كل يوم تكتب، "فلان كذا وكذا .. وفلان شخص مرموق .. وهذا وجد حلاً لكذا .. وذاك أفسد أمر كذا .."، وبغبائهم يشيعون مثل تلك الأخبار. كل ذلك لا قيمة لها. العظمة التي تمنحها الصحف، لا قيمة لها، يا بني! في الماضي لم يكن هناك ما يسمى بالصحف. وهي من المخترعات حديثاً .. في الماضي، هذه الصحف لم تكن موجودة. فلم نحتاجها اليوم؟  

أنظر إلى هذه الحكمة التي تعلمناها من شاه مردان! .. لماذا اخترعوا الصحف؟ لعرض وتقديم  العظمة الوهمية للناس. يا هو! أنتم زائفون .. أساسكم قذر .. وأجسامكم قذرة .. وذواتكم مدنسة .. ورائحة كبركم تفوح من أوراق صحفكم المطبوعة. وقيمة تلك الأوراق ليست أكثر من عشر سنتات. وتنتهي صلاحيتها اليوم وترمى غداً. العظمة الحقيقية تنزل من السماء إلى عباد الله الصالحين. وما هو موجود في تلك الصحف، ما هي  سوى عظمة زائفة، مع الكثير من الصور والألقاب والعروض الرنانة. عندما تنظر عليها عن كثب، لا يعني شيئاً .. أعذروني على هذا الكلام، ولكن تبدو صورة الرئيس الفرنسي، وكأنه لا شيء سوى رجل عادي .. ولا أريد أن أتحدث عن رئيسنا، لأنهم سينزعجون مني. رئيسنا خسر كثيراً من فخامته. وماذا بقي من العظمة؟

السلطان عبد الحميد، كان يتسم بالفخامة والعظمة، وهذا معروف. وأما هؤلاء، فقد مُنحوا العظمة عبر الصحف .. محمد، يا ولدي هل تفهم ما أشير إليه؟ من أين حصل عظماء القرن الـ 21 على العظمة؟ من الصحف. تعرض صورهم في الصحف، ثم يكتب تحتها .. ذهب إلى هناك أو جاء من هناك أو فعل كذا أو ذاك الخ .. ولكن في الحقيقة، ليس عظيماً من نال عظمته عن طريق الصحف، على الإطلاق. مهما عظم قدر أولئك الأشخاص الذين ينشر صورهم في الصحف، أقولها بصراحة ـ يمكنك أن تستخدم تلك الأوراق لتمسح بها مؤخرتك، إذا لم تجد غيرها .. صورة من كان في تلك الورقة يا ترى؟ مهمن كان صاحب تلك الصورة، فقد وُضع في المحل الذي يستحقه. عار عليكم! هذا هو حال البشر الذين ضيعوا إنسانيتهم. حالتهم تفوق أي وصف، وهم أبعد من أي كلام .. هم خارج نطاق الطبيعة البشرية.

يا شاه مردان! الصلاة والسلام عليك، من عند حبيبك، محمد المصطفى، صلى الله عليه وسلم. كم هذا جميل! .. كم هذا جميل! .. ولكن لم يعد أحد يستطيع التمييز بين الجمال والقبح. نال هؤلاء العظمة من الصحف، فامتلأت قلوبهم بالغرور. كل يوم، تطبع تلك الصحف صورهم البدينة، ثم يكتبون تحتها، "فلان كذا وكذا الخ" ..

-        "دعنا نلقي نظرة عليه".

-        "هو مثلنا ولا يختلف عنا في شيء".

-        " ربما له رأسان؟"

-        "لا، أبداً".

-        "هل عنده أربعة أقدام، أو أربعون قدماً .. وهل عنده أيادي كثيرة؟"

-        " لا، يا رجل! .. لديه قدمان"

-        "إذاً ماذا عن فمه؟"

-        "فمه مثل أفواهنا تماماً .. يأكل كل ما يجده أمامه دون تمييز. هو من الصنف الذي لا يفرق بين الحلال والحرام".

-        "إذاً ما الذي جعله عظيماً؟"

-        "الناس، هتفوا له وقالوا، هذا رئيسنا! وقامت الصحف بنشر صورته  وجعلت منه رجلاً عظيماً .. هكذا أصبح عظيماً".

-        "كم طوله؟"

-        "من المعروف أن أفراد هذه الأمة طوال القامة، لذا على الأرجح، طوله تقريباً متران".

-        "إذا كان طوله مترين، فكل طويل لا يخلو من الهبل.

بعض قصار القامة يلبسون أحذية ذوات الكعب العالي، ليظهروا أطول قامة مما هم عليه. في أيامنا كل من اعتبر من العظماء عن طريق الصحف، ينتمون إلى ذلك الصنف الذين يلبسون الكعب العالي. هؤلاء هم الذين يحكمون العالم. هم مصابون بعمى كلي، ولا يستطيعون التحكم على أنفسهم، فكيف يمكنهم أن يحكموا العالم؟ هذا هو حال العالم اليوم. والفرنسي من ذلك الصنف. ولكن نحن أتراك. عندما تبلى أحذيتنا لا نملك غيرها، بل نمشي حافي القدمين. لهذا السبب لا نحظى لأي اهتمام.

العظمة لله والشرف لرسول الله، صلى الله عليه وسلم. هل كانت صورة سيدنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم تنشر في الصحف؟ .. أمر بأن لا يصوروه .. لا أريد تلك العظمة التي تأتي من الصورة .. يا أيها الرسول الأكرم! .. وكذلك السلاطين، لم يطلب أحد منهم أن يرسم صورته ليراه الناس. لم يهتموا بمثل هذه الأمور. الأروبيون، هم الذين أخذوا صورهم.

ومن بين الذين نالوا العظمة عن طريق الصحف، نابليون بونابرت. فماذا حصل لنابليون؟ قالوا أنه كان رجلاً عظيماً، وهو الرجل الذي ختم به العصور الوسطى، وافتتح به العصر الحديث.

-        "كم كان طوله؟"

-        "كان حوالي متر ونصف .. ولكنه تسبب في كارثة عظيمة".

-        "ماذا فعل؟"

-        "قتل الملك".

-        "ولكن قطع رأس شخص لا يجعل الرجل عظيماً".

الأسد في الغابة يقتل ما يجد أمامه، يقطع رؤوسهم ويمزق أطرافهم ويفترسهم. ويظل كما هو؛ حيوان. والحيوان الذي يأكل الكثير يصبح كبير الحجم، ولكن ينقصه الشرف. بينما الإنسان يملك ذلك الشرف. أنت إنسان، فلا تنظر إلى من نال العظمة عن طريق الصحف! هناك بلاء آخر؛ طامة أخرى .. ذلك الشيء الذي يسمى بالتلفاز، إنها بلية من نوع آخر، يشغل الناس بعرض ما لا نهاية لها من البرامج والأفلام .. فيقال هذا الرجل كذا وكذا .. فهل هذا مهم حقاً؟ .. هذا الرجل يبلغ طوله مترين .. وذاك الرجل يعزف على آلة موسيقية في حفل زفاف .. الله الله .. الإبن يعزف على آلة موسيقية والأب يضرب على الدف والأم تعزف على .. الله الله! .. كيف أصبح عظيماً؟ الصحف جعلت منه شخصية عظيمة .. وهو الآن يلقي خطاباً أمام الجمهور .. وعندما يصل إلى نهاية خطابه لن يتذكر ما قاله في البداية. . والناس من حوله يمررون له بعض الملاحظات، "قل هذا أو ذاك!" .. "عفواً!" يقول، "موضة اليوم تختلف عن موضة البارحة، لذا سنعزف اليوم على حسب القواعد الموجودة اليوم".. عجيب!

كل هذه من تدابير الشيطان وتعاليمه. أصبحوا مثل الوعاء الأجوف الذي لا قعر له، لا يستقر فيه شيء .. العظمة الحقيقية تأتي من السماء. سيدنا، سلطان الأنبياء، عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم رفض أن يصوروه .. لا تصوروني، لأنكم لن تقدروا على وصف العظمة والهيبة التي ألبسني إياه ربي .. فتلك ستحرقكم! ولهذا السبب لا يوجد له صور.

"نهى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن الصور في البيت ونهى الرجل أن يصنع ذلك". (قال الترمذي حديث حسن صحيح .(

 

سيدنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم ليس من ذلك الصنف من الناس، الذين نالوا العظمة عن طريق الصحف. ألا يخجل هؤلاء أن لا يذكروا اسم أعظم سلطان؟ العظيم عندهم فقط، من ذكر اسمه في الصحف. فأي عظمة في هذا؟ إذا كانت العظمة تقدر على حسب الوزن، فالثور إذاً أعظم منهم. وإذا كانت تقاس بالطول، فالزرافة أطول منهم. تلك هي الفكرة السائدة الآن .. يا شاه مردان! نحن ممتنون لك أن أشرت إلينا بمثل هذه الملاحظات.

من الذي وصل إلى مرتبة العظمة؟ العظمة لا تحدد ولا تقرر عن طريق الصور في الجرائد، ولا بالألقاب الزائفة. أمس كان النائب الأول. واليوم مطرود .. فما الذي حصل لفخامته؟ لو كان ذهباً لتمسكوا به إلى آخر عمره. معنى ذلك، أن الرجل لم يكن ذهباً أبداً. بل على الأصح، مثل العشب الذي يأكله الحيوانات، ثم يتحول إلى روث. فهؤلاء ينتمون إلى هذا الصنف. فما فائدة ذلك؟ .. منذ ثلاثة أيام تطبع الصحف صوراً طويلة عريضة، "هو رئيس بلاد كذا وكذا .. وهو كذا وكذا .."

أيها المسلمون! أنتم أيضاً، تعرض صوركم بالحجم الكبير .. يا أمراء ويا ملوك! هه ..  ابن عمكم، شاه مردان يحذركم .. إنه ينبهكم! إن كانت العظمة تقاس بالوزن فالثور أثقل منكم وزناً. وإن كانت تقاس بالطول فالزرافة أطول منكم. فطول الزرافة حوالي ثلاث أو خمس أمتار. فإذا كان الثور أثقل منكم وزناً، فوحيد القرن يكبره حجماً، ولكن فرس النهر أكبر منه .. حقيقة شكل وجوههم غريبة .. هكذا خلقهم باريهم .. وهم لا يدعون العظمة بتاتاً. هم لا يقولون، "أنا أثقلهم وزناً"، أو "أنا أجملهم صورة" .. هم لا يدعون شيئاً من هذا القبيل. رؤوسهم منحنية، لا يرفعونها أبداً. يعيشون في الغابات ويأكلون الأعشاب، أو الحيوانات. ما هي مرتبتهم؟ لا شيء.

يا شاه مردان ما أروع تفسيرك للعظمة، وما أبلغها من وصف! عظماء هذه الأيام أو كما ينادونها، قرن الـ 21 ينالون العظمة عن طريق الصحف. فما الذي جعل هؤلاء عظماء؟ .. اليوم يقومون بتعظيمهم. وغداً يرمونهم. فما هذا؟ إذا كان بالأمس ذهباً فسيظل ذهباً اليوم. فما دمتم رميتموهم فلم يكونوا أصلاً ذهباً .. فلو كنتم ذهباً لاحتفظ بكم الناس. ولكنكم لستم كذلك .. ولأنكم لستم ذهباً ولا قيمة لكم .. يقطعونكم إرباً إرباً، وربما مسحوا بكم مؤخرتهم .. أمس كانت صورهم معلقة على الجدران واليوم تم إنزالها من على الجدران، مزقت ثم رميت .. فأين العظمة؟ .. لا تدّعوا العظمة جذافاً.

أيها الناس! البلاء التي حلت بكم، إنما بسبب ادعائكم العظمة. أضلكم الشيطان، يا أبناء القرن الـ 21، بقوله، "تعالوا معي وسأجعلكم عظماء العصر ..

-        "دعونا نكوّن حزباً، ثم ننتخب واحداً منا".

-        "هذا الرجل عظيم".

-        من أين أتى يا ترى؟

-        "جاء من مكان كذا .. قرية كذا .. أو من مدينة كذا .. من مملكة العجم .. أو هو من عشيرة مرموقة".

-        "وهل هذا يجعله عظيماً؟"

-        "أصبح عظيماً".

-        "ولكن كيف حصل على تلك العظمة؟ .. أليس الفيل أثقل منه وزناً؟"

-        "نعم ولكن .."

-        "إذاً لننتخبه! .. أخبر الصحافة لتنشر ذلك. أخبروهم بأن العظمة اليوم من نصيب الفيلة".

تلك هي الظهورات الجديدة، يا شاه مردان! .. أنشر هذا ولا تخف! أعاذكم الله من الخوف! هل كان الشاه مردان يخاف؟ لو سحب قلب الأسد هذا، سيفه ذو الفقار، لقطع رؤوس أبطال ملصقات الجدران هكذا، بضربة واحدة .. فماذا بشأن مقطوع الرأس هذا؟ ننقل الخبر إلى الصحيفة، وهكذا سيزداد عظمة. وسينقل الخبر أيضاً عبر صندوق الشيطان (التلفاز) .. "شاهدوا، هنا فعل كذا وكذا .. أنظروا هناك قطع الشريط لافتتاح جمعية كذا .. وانظروا هناك ألقى خطابه .. وانظروا هناك وهو يتحدث عن بعض التفاهات .. وانظروا هناك وهو يحكي بعض الحكايات لاسترضاء الجمهور" .. ماذا كان يفعل؟ كل أفعاله لا يصلح إلا للمرحاض. ولم يفهم أحد منه شيئاً .. أخجل أن أقول ذلك في حضرة الله، ولكن سأطلق العفاريت على كل من يدعي العظمة. وبينما هم في البرلمان يعقدون مجلسهم، تبرزوا على بناطيلهم، من غير أن يتمكنوا من السيطرة على حالهم.

كان قد روج بهم على أنهم من العظماء الحقيقيين، ولكن حصل معهم ما حصل للنمرود قبل سقوطه، ليكون تربية لهم. هناك الآلاف من الخدام (الأرواح) على حسب المذاهب والتوجهات. وهؤلاء مثل النار، لا يمكن لأحد أن يعترض عليهم أو يصطدم معهم. وسيلقنونهم درساً: هل الإسلام دين حق أم لا. وسيتعلمون، هل مذهبهم الذي أقاموا عليه حق أم باطل؟ أصبحوا عظماء بتعليق ملصقات صورهم على الجدران .. اعتبروا من العظماء عن طريق الملصقات. ولكن ملصقات الجدران لا تصنع العظماء. بل يجب النظر إلى أعمالهم التي قاموا بها. إن كنت ذهباً، فالذهب لا يحتاج إلى دعاية لترويجه. ولكن إن كنت مزيفاً، أو مصنوعاً من البلاستيك، فأنت بحاجة أن تعلق صورتك على كل الجدران، لتعريف الناس عليك .. هو كذا وكذا ..

فهل الذهب يحتاج إلى إعلانات تجارية؟ الذهب يبقى ذهباً، سواء كان خاتماً أو سواراً أو قلادة. قيمته لا ينقص أبداً. أما هؤلاء الذين يعيشون وسط الناس وهم مشبعون بحب الذات؛ عظماء الصحف .. عظماء قرن الواحد والعشرون .. هؤلاء الذين صورهم ملصقة على الجدران وأسماؤهم ظاهرة تحت صورهم بخط عريض، هم ليسوا عظماء. لكي تجد العظماء يجب أن تبحث عنهم. فالذهب لا تجده في الصحف.

كن ذهباً! .. سيدنا رسول الله، عليه الصلاة والسلام .. ما شاء الله، يا شاه مردان! .. يا سيدنا، يا من أنزل عليه القرآن الكريم، من تحت عرش الرحمن! .. رفض سيدنا رسول الله، عليه الصلاة والسلام أن يصوروه .. لا تصوروني، فإنكم لن تقدروا على وصفي بما يناسبني .. لا يمكن أن يتخذ صورة لي ..  لست كأحدكم يؤخذ صوراً لي .. حرم ذلك .. حرم تعظيم شخص عن طريق الصور. الناس في هذا العصر يصنعون العظمة عبر الصحف. وفي اليوم التالي يرمى بها في المرحاض.

"كونوا بشراً!"، يقول شاه مردان .. أيها المبارك، شاه مردان، ليفتح الله لك الطريق، لتطهر الأرض من الكذابين .. "عما قريب"، قال لي، "قرب اليوم الذي لا يبقي على أحد من هؤلاء. سنطهر الأرض شرقاً وغرباً، وسننشر أخبار من نال العظمة الحقيقية من الله سبحانه وتعالى. سنعلن عنهم ليعرفوا! أنظروا أيها الناس من هو العظيم حقاً! .. كذب من قال أن العظماء هم الذين نصب لهم تماثيل وألصق على الجدران صورهم. صححوا مفاهيمكم! سينتهي بكم المطاف في مكان ما .. في المكان الذي يدخل فيه الناس بعد الأكل مباشرة؛ بيت الخلاء .. يا الله! هذه المسألة تطورت بصورة طريفة .. الموضوع لم يعالج من قبل، ولكنه يربي النفوس .. أدب ياهو! .. تأدبوا! ولا تجروا مدعين، كذا وذاك، فينتهي بكم المطاف في بيت الخلاء .. لا تدّعوا العظمة! .. لا تدعوا العظمة! غفر الله لنا!

حكى لي مولانا الشيخ حكاية عن أحد الأولياء، ووافق عليه شاه مردان. وهو أنه دخل رجل مبارك  إلى أحد الأماكن الذي تسمونه اليوم بالمقاهي، ليشرب الشاي أو القهوة. فنظر حوله فرأى رجلاً جالساً هناك، مثنياً بقبعته على طرف عينه، واضعاً ساقاً على ساق، غير مكترث بمن يدخل أو يخرج. وبينما هو كذلك، انزلق خنجره من خصره ووقع على سرواله، وكان كلما حرك ساقه قطع في سرواله. وعندما أنزل ساقه ومد رجليه تكشفت عن عورته .. كان ذلك الرجل المبارك من المشايخ العظام .. أخبرني ذلك مولانا الشيخ ..

رأى ذلك الرجل وقد أمال بطرف قبعته على جبينه، وهو لا يكترث بمن يدخل أو يخرج ولا يسلم عليهم. وكان يجلس بجانبه. قال له، "يا ولدي، ما الداعي لكل هذا العرض؟ تظهر عظمتك، ولسان حالك يقول، "أنا فلان العظيم .. أنا كذا وكذا" .. أنظر إلى خنجرك ماذا فعل بك! ثم قال، "يا ابني، ألا تدخل بيت الخلاء أبداً؟" عندما سمع الرجل بذلك ارتمى عليه في الحال، وأصبح يقبل يديه وقدميه .. قال، "لم نسمع من أحد مثل هذا، بل كانوا يضللوننا ويغرون بنا ببعض الصور الزائفة على الجدران مع بعض العناوين الزائفة" .. قال، "أيها الرجل المبارك .. يا عبد الله! لقد أيقظتني من غفلتي، وتعلمت منك الأدب، فدعني أقبل يدك!" فرد عليه، "ليس عندي يد لتقبله يا ابني .. راقب نفسك! .. ستجد من يصلحك".

الأدب .. هذا هو مطلب مجالس أهل الحكمة .... الأدب يأتي أولاً والعلم يأتي لاحقاً .. إلا الأدب .. إلا الأدب .. أدب يا هو! .. فليُكتب هذا بخط اليد وليس بالطباعة .. نعم، أكتبه بخط يدك وعلقه على مدخل باب بيتك ومشغلك! .. دعهم يتعلموا الأدب، لكي يدخلوا في عالم البشر .. يا شاه مردان سامحنا! .. يا إخوة شاه مردان الأحباء! يا أصحاب شاه مردان المقربين، سلام الله عليكم .. سلام الله علينا جميعاً .. أنعم الله علينا في الدنيا والآخرة. الإنسانية عند البشر فقط. ومن لا يعرف الإنسانية هم من جملة الحيوانات. من أصبح عظيماً عن طريق الصور الملصقة على الجدران أو عن طريق الصحف، في الحقيقة ليس عظيماً. اليوم يعتبرون من العظماء وغداً يستخدم صورهم لمسح مؤخراتهم.

يا شاه مردان ها أنت ذا هنا، تفضلت علينا بنصائح قيمة .. فلنقل بسم الله الرحمن الرحيم. ربي يسر ولا تعسر، ربي تمم بالخير! نبدأ بها سيرنا إلى الله، ومقصدنا حضرة الكريم الوهاب. لنسع على إصلاح أحوالنا والتحلي بحسن الأدب .. لنبتعد عن الهمج والكذابين، ولنسر إلى حضرته تعالى كالذهب الخالص وليس كالروث. فالذهب يدخل القصر، أما الروث فلا يسمح له بالدخول. سرايا أجدادنا العثمانيين كانت براقة لا قذارة فيها أبداً. وخزائنهم كانت مملوءة بالذهب. وكانوا يعطونها للناس من غير أن يعدوا .. "خذ كيساً مملوءاً من الذهب!" .. "خذوا من تلك الخزائن مقدار ما تشاؤون من الذهب، ثم اذهبوا إلى حال سبيلكم!" .. أما رؤساء الدول اليوم، إذا أرادوا أن يدفعوا لك خمس ليرات أجبروك على أن تركض من أجلها خمسة أيام هنا وهناك، حتى تحصل عليها أخيراً بشق الأنفس، ولا يسد رمقاً. ستتعلم درساً، سواء كنت من الترك أو الفرس أو كنت من العرب أو الحبش .. سوف تتعلمون درساً. وإلا ستوضع في أدنى مستوى البشر، بحيث تكون المرتبة التي تحتك هي مرتبة الحيوانات. ومن الله التوفيق.

يا شاه مردان، ما أروع ما قدمت لنا من نصائح! أعلى الله درجاتكم! .. نظرة منكم! أدع لنا بالثبات على هذا الأمر! .. يا شاه مردان .. يا ياران (أحباب) شاه مردان، مرحبا! إلى أصحاب شاه مردان المقربين مرحبا .. مرحبا .. مرحبا! الفاتحة.

 
  2162704 visitors