شمس الشموس
  عبدالله اليونيني
 



 

أسد الشام
اليونيني

على تلة “الشيخ عبدالله” المشرفة على بعلبك من جهة الجنوب، قبة تتألف من مسجد صغير وزاوية، وفيها قبر الشيخ “عبدالله اليونيني” الذي تعرف التلة باسمه. أقيمت هذه القبة في أيام “الملك الأمجد بهرام شاه” حفيد “صلاح الدين الأيوبي” الذي ولّي بعلبك بين عامي 1182 و1230 للميلاد، وبنيت من حجارة هيكل “عطارد” القريب.

هو الشيخ عبد الله اليونينى – نسبة إلى يونين احدى قرى بعلبك. قال الحافظ ابن كثير: كان من الصالحين الكبار المشهورين بالعبادة والرياضة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، له همّة عالية فى الزهد والورع، بحيث أنه كان لا يقتنى شيئًا ولا يملك مالاً ولا ثيابًا، وكان لا ينقطع عن غزاة من الغزوات.. وكانت له أحوال ومكاشفات صالحة.. وكرامات كثيرة جدًا.. وذكروا أنه كان يحج فى بعض السنين فى الهواء، وقد وقع هذا لطائفة من الزهاد وصالحى العباد، ولم يبلغنا هذا عن أحد من أكابر  العلماء، وأول من يذكر عنه هذا حبيب العجمى، وكان من أصحاب الحسن البصرى.        (البداية والنهاية)

ويقول المؤرخون أنه لم يقم لأحد من الناس تعظيمًا لله تعالى، ويقول لاينبغى القيام لغير الله. وما كان يدخر شيئا ولا يمس يدُه دينارًا ولا درهما، وكان زاهدًا ورعًا عفيفًا، وما لبس طول عمره إلا الثوب الخام وقلنسوة من جلد تساوى نصف درهم، وفى الشتاء يبعث له بعض أصحابه فروة قرض يلبسها ثم يؤثر بها فى البرد، وكان إذا لبس الثوب يقول هذا لفلان وهذا لفلانة..

وكان لايدخر شيئا من طعامه لغد، وإذا اشتد جوعه أخذ من ورق اللوز ففركه واستفه ويشرب فوقه الماء.

وكان الملك الأمجد يزوره، ويحبه ويتبرك به، أما هو فما قام له يومًا قط، وكان يقول له: يا مُجيد أنت تظلم وتفعل وتصنع، وهو يعتذرإليه. اهـ

والملك الأمجد هذا من ملوك بنى أيوب، وكان من الفضلاء العقلاء الادباء وكانت بعلبك التى يعيش بها الشيخ خاضعة لملكه.

وتحكى عن الشيخ أيضا حكايات عارض فيها الملك العادل أخو السلطان صلاح الدين والذى كان من كبار سلاطين نى أيوب، وكان – كما يقول المؤرخون – حسن السيرة محب للعلماء، ولما أراد أن يحدث أمرًا فى المعاملات المالية عارض ذلك الشيخ فسارع الملك العادل فأبطله.

ويبين ابن كثير السبب فى هذه المهابة التى وصفها الله فى قلوب الملوك له، فيقول: "وكان الأمجد إذا دخل عليه جلس بين يديه، فيقول له: يا امجد فعلت كذا وكذا، ويأمره بما يأمره، وينهاه عما ينهاه عنه، وهو يمتثل جميع ما يقول له. وما ذلك إلا لصدقه فى زهده وورعه وطريقته.       (البداية والنهاية)

ولقد سعد العلامة سبط ابن الجوزى بصحبة الشيخ فكتب له ترجمة ضافية فى كتابه "مرآة الزمان" وذكر فيه جانبا من أخباره وكراماته فيقول:

"كنت قد اجتمعت به فى الشام سنة 600 إلى سنة 603، وكان له تليمذ اسمه توبة، وكان من الصالحين الأجواد، وسافرت إلى العراق فى سنة 604 وحججت، فلما كان يوم عرفة صعدت جبل عرفات وإذا بالشيخ عبد الله قاعد على الجبل، مستقبل الكعبة، وعليه الثوب الخام وعلى رأسه القلنسوة السوداء، فسلمت عليه فرحب بى وسألنى عن طريقى، وقعدت عنده إلى قريب الغروب. فنزلت من الجبل وأتيت المزدلفة ووقفت بها، وجئت إلى منى، فدخلت مسجد الحيف، وغذا بالشيخ توبة خارج من المسجد، فسلّم علىّ، فقلت له: أين نزل الشيخ – ظنا منى أنه قد حج معه، فقال: أيما شيخ؟ فقلت: عبد الله. قال: خلّفته ببعلبك.

ويحكى سبط ابن الجوزى عن قاضىكركوك أنه قال له أنه كان يومًا فى مسجد وقت السحر ورأى الشيخ عبد الله ينزل إلى النهر ليتوطأ، وإذا بنصرانى يعبر على الجسر ومعه بغل عليه حمل خمر، فعثر البغل عند الجسر ولم يكن فى الطريق أحد، فصعد الشيخ من النهر وصاح على القاضى، فذهب إليه فقال له: عاونّى، فعاونه حتى رفعا الحمل على البغل، وأكمل النصرانى مسيره. يقول القاضى: فقلت فى نفسى: مثل هذا الشيخ يفعل كذا. ثم مشيت خلف البغل إلى العقيبة، فجاء إلى محل خمار فحط الحمل، وفتح الزقاق، فإذا بالخمر قد صار خلاً. فقال الخمار: هذا خل. فبكى النصرانى وقال: والله ما كان إلا خمرا من ساعة، وإنما أنا أعرف العلة. ثم ربط البغل فى الخان، وعاد إلى الجبل، وكان الشيخ قد صلى الظهر فى المسجد الذى عند الجسر، وقعد يسبح، فدخل عليه النصرانى وقال: يا سيدى، أنا أشهد أن لا إلله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وصار من يومها من أصحاب الشيخ.

وكان الشيخ قد بنى لنفسه مسجدًا صغيرًا عند عين ماء بجبل فى ظاهر دمشق، وكان أهل دمشق يخرجون لزيارته. يقول سبط ابن الجوزى: فحكت لى امرأة صالحة قالت: خرجت من دمشق بعد العصر، فوصلت إلى العيون بعد العشاء والآخرة، فتوضأت وطلعت إلى باب الزاوية، وكانت ليلة مقمرة، وإذا بالسبع نائما على باب الزاوية ورأسه على عتبتها، فيبست ولم أقدر أتحرك.. فلما كان وقت السحر هرول السبع ومضى، وخرج الشيخ، فرآنى فقال: ويحك، وايش كان عليك منه..

ثم يقول سبط ابن الجوزى: ومن هذا كثير..

هذه شهادة من رأى بنفسه، وسمع بنفسه ممن رأى.. وهل يستغرب أن يجرى الله على ايدى أوليائه مثل هذه الكرامات، وأعظم منها؟!

فعما قليل سنرى الكرامة العظمى التى حبا الله بها عبده الصالح الشيخ عبد الله اليونينى رضى الله عنه وارضاه.

* * *

قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "من طلب الشهادة بصدق نوّله الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه".

وشيخنا اليونينى – رضى الله عنه – يرينا نموذجًا فى العمل بهذا الحديث، فلنر إذن كيف كان طلبه للشهادة، وكيف كافأه الله على صدقه فى هذا الطلب..

* * *

فى ذكرى ليلة افسراء والمراجع يوم الجمعة 27 رجب سنة 583 تم طرد الصليبيين من بيت المقدس، وتطهيره من رجسهم بعد أن دنسوا أرضه وهواءه حوالى تسعين عامًا، وبقيت للصليبيين جيوب أخرى فى الشام مثل أنطاكية ويافا وعكا وطرابلس، وكانت أعظم فرصة لراغبى الجهاد وطالبى التقرب إلى الله بحرب عدوه.

وكان الشيخ اليونينى بجوار جحور الأراقط، لا يفرغ للذغاتها قدر ما يشغله ما يرجوه من التوبة والأجر.

يقول سبط ابن الجوزى: وكان الشيخ شجاعًا لايبالى بالرجال قلوا أو كثروا قط، ومكان يتمنى الشهادة، ويلقى نفسه فى المهالك.

ثم يسوق حكاية حكاها له خادمه عبد الصمد مؤداها أن الملك العادل لما جاء لغزو الفرنج فى أحد معاقلهم بالشام ما كان الشيخ لتفوته هذه الفرصة على الرغم من أنه لم يكن عنده ما يغزو عليه، فقال لخادمه أن يذهب إلى صديق له اسمه الفقيه عبد الله ويطلب منه بغلة عنده، يقول خادمه عبد الصمد: فأحضرت البلغلة فركبها، وخرجت معه فبتنا فى "تبنين" – اسم مكان – وقمنا نصف الليل، فجئنا إلى "المحدثة" – اسم مكان آخر- قبل الصبح، فقلت: لا تتكلّم ها هنا فهذا مكمن الفرنج.

فإذا بالشيخ يرفع صوته كأعلى ما يقدر عليه قائلا: الله أكبر، حتى أن عبد الصمد يقول: فجاوبته الجبال. بينما تملك الخوف خادمه..

ثم نزل الشيخ وصلى الفجر، ولما طلعت الشمس رأى عن بعد كأن عددًا من فرسان العدو يجيئون من ناحية حصن الأكراد، يقول عبد الصمد فظنهم الاستبار (من فرسان الصليبيين) فقال: الله أكبر. ما ابركك من يوم.. واندفع إليهم بمفرده وهو على بغلته شاهرًا سيفه حتى أن عبد الصمد عبر عن دهشته بقوله: فقلت فى نفسى: شيخ زتحته بغلة وبيده سيف يسوق إلى طلب الفرنج.

ولكن ما كان القادمون من فرسان العدو، وإنما كانوا قطيعًا من الوعول البرية ما يقرب من مائة منها، فقال عبد الصمد للشيخ: احمد الله فإن الله قد نظر إليك.

والشيخ يحمد الله على كل حال، ولكنه لا يقدر على إخفاء عشقه لمنازلة الأعداء فى ساحات الوغن، شوقه إلى نيل الشهادة، وإن كانت الفرصة فاتته اليوم فإن الأيام تحمل مع مرّها فرصًا أخرى، قد يسعد فى إحدها فيلقى ما يتمنى..

ويحكى عبد الصمد – خادمه – عن مرة أخرى – من المرات الكثيرة التى حفلت بها حياته المباركة – حيث جاء الملك المجاهد أسد الدين، وقدم للشيخ حصانًا من خيله يقول عبد الصمد: فركبه، ودخل معهم فعمل العجائب..

ظل حلم الشهادة يراوده شيخنا، وتحن إليه نفسه وقد شارف الثمانين من عمره، وآن لجسده المتعوب أن يستريح، ولروحه المشتاقة أن تطير إلى ما أعد الله لها فى دار الكرامة..

ولكنه إن لم يحظ بالقتل بسيوف الأعداء، فلقد رتب له ذو الجلال والإكرام موتةً تليق بمكانه عنده.

يحكى خادمه عبد الصمد ذلك اليوم المجيد، وذلك الحدث الفريد فيقول: لما كان يوم الجمعة نزل فصلى الجمعة بجامع بعلبك وهو صحيح ليس به شىء، ودخل الحمام قبل الصلاة واغتسل وجاءه داود المؤذن، وكان يغسل الموتى، فقال له: ويحك يادواد انظر كيف تكون غدا. فما فهم داود، وقال: يا سيدى كلنا غدًا فى غفارتك، ثم صعد الشيخ إلى المغارة.

وكان الشيخ قد أمر أصحابه أن يحفروا له قبرًا فى الجبل قريبًا من شجرة اللوز التى كان ينام تحتها ويقعد عندها. وكانوا يحفرون فى الصخر بمشقّة، فقال لهم أن يفرغوا من عملهم قبل أن تطلع الشمس.

وأمضى ليلته كلها يذكر أصحابه ومعارفه ويدعو لهم واحدًا واحدًا، ويقول يا سيدى فلانه اجتزت بها فى الموضع الفلانى اعطتنى شربة ماء فشربتها، وقليل من ماء فتوضأت به فاغفر لها، فلان أحسن إلىّ فأحسن إليه.. وظل هكذا إلى أن طلع الصبح وقد جعل وداعه للأحياء دعاء لهم..

ثم قام إلى صخرة كان يجلس عليها، فجلس يذكر الله وبيده سبحته، وقام أصحابه يتممون عملهم فى حفر القبر فى الصخور الصماء، وطلعت الشمس وقد فرغوا من عملهم، والشيخ قاعد فى مجلسه والسبحة فى يده ويبدو كأنما اخذته سنة من نوم.

ولما طال الوقت على الشيخ دون أن يقوم، تقدم إليه خادمه عبد الصمد ينادى عليه، فما تكلم، فلما حركه وجده قد مات.. وارتفع الصياح والبكاء.

وكان الملك الأمجد صاحب بعلبك فى الصيد، فأرسلوا وراءه، فجاء فرأى الشيخ على تلك الحال؛ لا وقع، ولا وقعت السبحة من يده، وهو كأنه نائم فى مجلسه. فقال الملك المجد: دعونا نبى عليه بنيانا وهو على حاله ليكون أعجوبة الدنيا. فقال أصحابه: اتباع لاالسنة أولى. وجاء داود المؤذن، فغسله ودُفن الشيخ فى الموضع الذى اعده تحت شجرة اللوز التى كانت فى الجبل مستقرة وموضع عبادته.

هنيئا لك ياشيخنا.. وهنيئا لنا ما أمضينا فى رحابك من لحظات.

يا أسد الشام بحق..

 

المراجع:

مرآة الزمان لسبط ابن الجوزى

الذيل على الروضتين لأبى شامه


 
  2195094 visitors